ثقافة معرض "لمانيا ماتر" بمتحف باردو... شواهد ماديّة تروي فصول الأوّلين، وتسرد حكايا "الأم العظيمة"
يحتضن المتحف الوطني بباردو معرضا هاما بعنوان "لمانيا ماتر بين زاما وروما" من تنظيم المعهد الوطني للترث بالشراكة مع إدارة تثمين التراث الثقافي الإيطالية، والذي كان قد انطلق منذ 21 جانفي الماضي ليتواصل إلى غاية 21 جويلية 2026، وهو امتداد لمعرض "لمانيا ماتر من روما إلى زاما" المُنتظم في روما من 5 جوان إلى 5 نوفمبر 2025 بالمنتزه الأثري بروما.
ويسلّط المعرض الضوء على مجموعة من الشواهد المادية المستخرجة من موقع زاما الأثري بولاية سليانة، وهي عيّنة من اكتشافات هامة ناجت مخيالا إنسانيا تشكّل عند تخوم المتوسط، حيث تلاقت نوميديا بروما وامتزجت الرموز الفريجية بذاكرة افريقية ضاربة في القدم.

30 منحوتة أثرية متعدّدة المواضيع والأيقونات تم تركيزها بقاعة سوسة بالمتحف، بيّنت مدى درجة تشابك الديانات التي كانت تمارس في زاما وثراءها التاريخي، وهي منحوتات تم استخراجها من موقع زاما الأثري بولاية سليانة وتمثّل عيّنة تمّ اختيارها من مجموع اللقى التي أسفرت عنها الحفريات المتواصلة منذ سنة 1996.
وقد تم ترميم القطع المعروضة التي تعود جذورها التاريخية إلى الفترة الممتدة من أواخر العصر الهلنستي حتى القرن الثالث ميلادي، من قبل فريق مشترك من مرمّمي ومحافظي المعهد الوطني للتراث بتونس والمنتزه الأثري للكولسيو، اعتمد في تدخّله على القطع الأثرية على منهج علمي جمع بين الدراسة والتشخيص والترميم.
وتتميّز القطع الفريدة التي أُزيح عنها الستار في زاما ريجيا بقيمتها الأثرية والعلمية البارزة، كما تشكّل إضافة نوعية لفهم ديانة لمانيا ماتر وتطورها. وتنوعت المنحوتات المخصصة بالأساس للعبادة من تماثيل صنعت من الرخام الأبيض والأصفر وأخرى من خزف وكلس، ونتبيّن من خلال متابعتها بالأساس أهمية الإله أتيس وشخصيته المحورية في العبادة الفريجية حيث تم تجسيده في عدّة صور وهيئات مختلفة.
أسرار ديانة الأم العظيمة...
وفق ورقات توثيقية رُكّزت بالمعرض تقدم ديانة الأم العظيمة خصائص ذات طابع سري غامض للآلهة التي كثيرا ما تعرف بالأرض وتجسد الخصوبة الدائمة للطبيعة ويرتبط تمثيلها بصورة الإله أتيس، إذ يتناول الموت ثم الولادة الرمزية الممجدة سنويا خلال احتفالات الهيلاريا. وفي العالم الروماني، ارتبطت هذه الديانة بحماية المواطنين إذ كانت الآلهة تعد حامية للمدينة وسكانها من الأخطار.

عرفت ديانة لمانيا ماتر في عدة مدن بينها لبدة الكبرى، مكثر، قرطاج، بولاريجيا، أوتيكا، دقة، تاموقادي، لامبيزيس، تيبازة، وكويكول إلى جانب انتشار كثيف لها في المقاطعات الرومانية بشمال إفريقيا، وقد سُهل هذا الانتشار من خلال تقريب صورة الآلهة الفريجية من صورة الآلهة عشتارت، وهي آلهة فينيقية-بونيقية مرتبطة بالخصوبة وحماية المدينة علما وأنّ كلتا الالهتين تتخذان الأسود كحيوانات مقدسة.
ويظهر الارتباط بين الأم العظيمة والقوى الكونية بوضوح في الأيقونوغرافيا والطقوس: فسيبال تُصوّر غالبا كمركز الكون، ملكة العناصر الأربعة، بينما يمثل آتيس بالشمس ودورية الفصول. ويظهر هذا الترابط أيضا في الاقتران بعبادات مماثلة مثل عبادة "ديميتر" و"بيرسيفوني" أو "إيزيس" ضمن سياق من التديّن التلفيقي الذي عزّز في العصر الامبراطوري خصائصه الروحية والسياسية".
معبد نوميدي مهيب...
في ذات السياق تكشف الحفريات التي أجريت بين 1996 و2015 في موقع زاما الأثري عن معبد الآلهة "سيبال" في زاما ضمن سياق أثري يعكس تعقد الحياة الدينية والعمرانية في المدينة النوميدية القديمة.
ووفق المعهد الوطني للتراث فإنّ المعبد يقع فيما يسمى بـ"منطقة المعابد"، داخل التقسيم الثاني من موقع الحفريات إلى جانب معلمين مقدسين آخرين: معبد نوميدي كبير ومعبد مكرس للآله "أتيس" Attideum مشكلين مجمّعا دينيا متعدد المستويات.

ويرجّح أن المعبد المكرّس للآلهة سيبيل، الآلهة "الأم العظيمة- مانيا ماتر"، يعود إلى القرن الأول ميلادي وهي الفترة التي انترت فيها عبادة الآلهة الفريجية في إفريقيا خلال عهد الأباطرة الفلافيين.
وتشهد النقوش والتماثيل النذرية الصغيرة المعروضة، على ممارسة هذه الديانة في الموقع الذي كان يشغله في الأصل مبنى مقدس أقدم يعود إلى القرن الثاني قبل الميلاد، قد أعيد تخصيصه لعبادة سيبال في العصر الامبراطوري...
الكهنة والموسيقى في ديانة "سيبال"
يؤكد المشرفون على المعرض أنّ كهنة وكاهنات "لمانيا ماتر-الأم العظيمة" كانوا مسؤولين عن المراسم العامة والمواكب، مثل طقوسي "الغسل" و"ذبح الثيران"، وهي طقوس للتطهير والخلاص.
وكانت هناك شخصية مميزة وهي كبير الكهنة "أرشيقال"، الذي اعتبره البعض زعيما للديانة واعتبره آخرون من الأنبياء. أما الخصيان الغاليون، فلم يكونوا كهنة رسميين بل كانوا خداما أو من التابعين للآلهة. كانوا يعيشون على هامش المجتمع: يتسولون، ويحملون تمثال الآلهة في المواكب، ويؤجون طقوسا وجدانية صوفية.

كما كانت هناك الجمعيات الدينية لحاملي الأشجار وحاملي القصب، وهم مواطنون أو "عتقاء" يحملون الشجرة والقصب المقدس على التوالي في مواكب شهر مارس.
مشروع "زاما ريجيا"... رؤية وطنية من أجل حماية الثراث وتثمينه
أكدت وزيرة الشؤون الثقافية أنّ هذا المشروع يندرج ضمن رؤية وطنية تهدف إلى حماية التراث التونسي وتثمينه لفائدة الأجيال القادمة، قائلة في هذا المجال "نحن نقوم بكل هذا من أجل الأجيال القادمة، حتى تعرف تاريخ بلادها وتراثها".
وقد كان هذا المشروع ثمرة اتفاقية تعاون أبرمت خلال سنة 2024 بين المنتزه الأثري الكولسيو بروما والمعهد الوطني للتراث بتونس واستمرت مع إدارة تثمين التراث الثقافي الإيطالي، وهي مخصصة لموقع "زاما ريجيا" ومحيطه. ويهدف هذا الاتفاق الى تعزيز البحث الاثري والحفظ والتكوين والتثمين للموقع بالإضافة الى إنشاء تقنيات حديثة ومسار زيارة مفتوح للعموم.
وقد تضمنت المرحلة الأولى من المشروع التي بدأت في نوفمبر 2025 مسحا ثلاثي الابعاد بالليزر للموقع بأكمله ومنزل الحفريات والمخازن مما أتاح لأول مرة توثيقا عالي الدقة للمنطقة. وبناءً على هذه المعطيات انطلق إجراء تحقيقات تشخيصية على الهياكل القديمة ابتداءً من جانفي 2026 والتي ستشكل أساسا لمشاريع الترميم، وتعميق الأبحاث الأثرية والدراسة التاريخية الأثرية للموقع.
ووفق ما يؤكده القائمون على هذا المعرض فإنّ الإجراءات المبرمجة لعام 2026-2029 ، ستشمل ترميم الهياكل والمناطق الأثرية التي وقع اكتشافها، ومواصلة أعمال التنقيب وإنشاء مسارات زيارة آمنة وميسرة، وذلك سيكون بأحدث التقنيات. كما سيتم ترميم "منزل الحفريات" والمستودعات المخصصة لعرض الأعمال لتوفير مساحات وظيفية للباحثين والمشغلين مما يحسن تجربة العمل والاستفادة من الموقع.
رحلة تطوّر حضاري باقٍ ومرسّخ...
من خلال ورقات توثيقية تأريخية، كانت "زاما ريجيا" القديمة وحاليا هنشير جامة بتونس مدينة نوميدية ومقرا ملكيا يعد من أهم المراكز في مملكة ماسينيسيا، وتعتبر مسرحا لإحدى أبرز معارك العصور القديمة: معركة زاما سنة 202 قبل الميلاد التي واجه فيها سيبيون الإفريقي القائد القرطاجي "حنبعل" خلال الحرب البونية الثانية.
وتقع زاما على بعد نحو ثمانية كيلوميترات من مدينة سليانة، مركز الولاية التي تحمل نفس الاسم. وقد كشفت حفريات المعهد الوطني للتراث في تونس عن آثار بارزة في الموقع بينها منزل روماني ونيمفيوم ومعبدان إضافة الى حصن بيزنطي.

ويعود تاريخ المعبد الأول إلى القرن الثاني قبل الميلاد، ذو نمط نوميدي يبرز تراكما دينيا منذ عبادة الآلهة المحلية الى عبادة الآلهة سيبال. أما المعبد الثاني فقد خصص لعبادة أتيس، ويكوّن المعبدان مع النيفيوم (نبع ماء مقدس) مجمعا مقدسا متدرج المستويات.
امتدت الحياة بالموقع حتى القرن الرابع عشر ميلادي من خلال ما كشفته اللقى الخزفية الإسلامية وبقايا المنشآت المعمارية التي تعود للفترة الوسيطة.
من التماثيل المعروضة:
رأس زاما ، من رخام ابيض- الفترة الهلنستية المتأخرة
تمثال أتيس جالس ونقيشة مهداه للإله "أتيس أغسطس"
امرأة تحمل "يانار" من الفترة الهلنستية
تمثال صغير "آرتميس" من الرخام الأبيض يعود لمنتصف القرن الثاني ميلادي
"هيكاتيون" من الخزف- الفترة الهلنستية
رأس "اربوكوراط" من رخام باروس يعود للقرن الأول ميلادي
رأس امرأة من رخام أبيض- القرن الأول ميلادي
رأس امرأة رخام ابيض- القرن الثاني ميلادي
جزء من يد تمثال تحمل "باتار" من رخام أبيض: القرن الثاني –القرن الثالث ميلادي
تمثال لإله زاما، رخام ابيض- القرن الثالث ميلادي
تمثال ديك- القرن الثاني ميلادي مصنوع من رخام ابيض
تمثال صغير "ارشيقال كلس ابيض- القرن 3 ميلادي
تمثال صغير "أتيس" نائم مصنوع من خزف من الفترة الهلنستية
ترابيزوفور "اتيس" رخام اصفر قديم -القرن 1 ميلادي
تمثال صغير للاله "أتيس" يحمل مزمار البان من خزف- القرن 2 ميلادي
رأس أتيس من خزف- الفترة الهلنستية
تمثال صغير "أتيس" يحتضر من خزف- الفترة الهلنستية
تمثال صغير "ماركور" مع نقيشة مهداة من "ماريا كاليا" بأمر من الآلهة "كايلستيس" كلس أبيض- القرن 3 ميلادي
ركيزة كتب عليها نقيشة إهداء الى الاله "اتيس" من الكاهن "لوسيوس كورنيليوس تاناكس" النصف الثاني من القرن الثالث ميلادي.
تمثال صغير لامرأة تجلس على ظهر حيوان من الكلس- نهاية القرن الثاني-الثالث ميلادي
منـــارة تليـــجاني